علي بن أحمد المهائمي
81
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الدعوى ) أي : دعوى الكمال المطلق لأنفسهم ( بما هم ) أي : بسبب ما هم ( عليه من التسبيح والتقديس ) ، فقالوا : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [ البقرة : 30 ] ، فأطلقوا كأنهم محيطون بوجوه التسبيح والتقديس ، ولم تتم لهم هذه الدعوى إذ ( عند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة تقف عليها فما سبحت ربها ) أي : بذكرها والعمل بمقتضاها ، ( ولا قدسته ) تقديسا صادرا عنها أي : عن معرفتها ( تقديس آدم وتسبيحه ) ؛ فهو المسبح المقدس على الكمال والإطلاق دونهم ، وإذا كان حال المعترض على الحق والمنازع له هكذا . ( فوصف ) أي : بين ( الحق لنا ) أي : لوعظنا واعتبرنا ( ما جرى ) بينه وبين ملائكته مع إلزامه إياهم حجته البالغة ( لنقف عنده ) بالتأمل فيه ، ونعتبر بذلك نزاعنا مع الحق في مخالفة أوامره ونواهيه ، ( ونتعلم الأدب مع اللّه تعالى ) ؛ فلا نعترض عليه في شيء من أفعاله وأحكامه ، ولا نجرح أحدا من عباده بذكر نقصه مع دعوى الكمال لأنفسنا ، ( فلا ندعي ما نحن متحققون به ، وحاوون عليه ) دعوى مقرونة ( بالتقييد ) بمقدار ما تحققنا به ، وحوينا عليه مخافة تعدي الدعوى إلى ما وراءه ( فكيف ) يسوغ لنا ( أن نطلق في الدعوى فنعم بها ) أي : بتلك الدعوى إثبات ( ما ليس لنا بحال ) من الكمال ، ( ولا نحن منه على علم ) فضلا عن الحال ( فنفتضح ؟ ) كما افتضحت الملائكة بتلك الدعوى بذكرها في الكتاب الذي لا يزال الجمهور يتلوه في الأمصار والأغوار إلى يوم القيامة . ( فهذا ) أي : بيان ما جرى بينه وبين الملائكة : هو ( التعريف الإلهي ) لما تقتضيه حضرة الحق من الأدب ( مما أدب الحق به عباده العلماء ) « 1 » لئلا يدعوا ما وراء علمهم ( الأمناء ) لئلا يخونوا في أوامره ونواهيه وسائر أحكامه ( الخلفاء ) لئلا ينقضوا عهوده ومواثيقه في إقامة حدوده وأحكامه ؛ فإن قيل : هذا يشعر بعدم عصمة الملائكة ، وقد دلت النصوص مثل : لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [ الأنبياء : 27 ] ، لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 6 ] ، ولولا عصمتهم فلا ثقة بهم فيما يأتون به من الوحي . قلنا : النصوص العامة قابلة للتخصيص ، فيجوز أن يخصص بما ورد منهم في حق آدم عليه السّلام ، ولا يدل على عصمتهم عن ذنب لا يعلمون أنه ذنب ، والوثوق إنما يزول إذا صدر عنهم ذنب بعد علمهم بكونه ذنبا ، ولكنهم يعاتبون على ذلك لئلا يتجاسروا في الأمور ، وقد جوّز المحققون السهو على الأنبياء مع أنهم يعاتبون عليها ؛ فلنجوز مثل ذلك
--> ( 1 ) في نسخة : « الأدباء » .